البناء: د. رضا الشاب
بعد التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي توعّد فيها بقصف جسر أو محطة كهرباء داخل إيران مقابل كلّ استهداف لسفينة تعبر مضيق هرمز، بالتزامن مع شروع عدد من البلديات “الإسرائيلية” في إعادة فتح الملاجئ ورفع مستوى الجهوزية، لم يعد الحديث يقتصر على مستوى التوتر القائم بين طهران وواشنطن، بل تجاوز ذلك إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يقف الشرق الأوسط على أعتاب حرب كبرى؟
فلم يعد المشهد الإقليمي مجرد تبادل للتهديدات ورسائل الردع النارية، بل بات ساحة تتحرك فيها الحسابات السياسية والعسكرية على حافة التصعيد. فكلّ خطوة يتخذها أحد الطرفين تقابلها خطوة مضادة، بما يجعل هامش الخطأ أضيق من أيّ وقت مضى، ويزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة يصعب احتواء تداعياتها.
والمفارقة أنّ مذكرة الإطار الموقعة بين طهران وواشنطن، والتي كان يُفترض أن تشكل في أحد جوانبها مدخلاً لخفض التصعيد، من خلال التزام أميركي بوقف الحصار البحري على إيران وتهيئة الظروف لاحتواء المواجهة، تحوّلت عملياً إلى ما يشبه رخصة انتظار؛ تمنح الإدارة الأميركية متسعاً من الوقت لإدارة سياسة المعارك بين الحروب، وتأجيل أي مواجهة واسعة إلى ما بعد الانتخابات النصفية، بما يحدّ من كلفتها السياسية على ساكن البيت الأبيض.
وفي ضوء ذلك، يبدو أنّ المنطقة انتقلت تدريجياً من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة اختبار حدود الردع. فكلّ طرف يسعى إلى فرض معادلة جديدة من دون تجاوز العتبة التي تؤدي إلى حرب شاملة، غير أنّ هذا التوازن الدقيق يجعل المشهد أشبه بلعبة عضّ الأصابع؛ إذ لم يعد الرهان على امتلاك القوة العسكرية فقط، بل على قدرة كلّ طرف على تحمّل الكلفة لفترة أطول.
كيف يمكن أن تبدأ المواجهة؟
الحروب الكبرى لا تولد في لحظة، بل تنضج على مهل، حتى تصبح الشرارة الأخيرة كافية لإشعالها. من هذه الزاوية، تبدو المواجهة المحتملة بين إيران والولايات المتحدة و”إسرائيل” مفتوحة على ثلاثة سيناريوات رئيسية، لكلّ منها منطقه الخاص واحتمالاته المختلفة.
أولاً: الحرب المحدودة
يقوم هذا السيناريو على تنفيذ ضربات عسكرية دقيقة تستهدف منشآت أو قواعد أو بنى تحتية ذات قيمة استراتيجية، مع الحرص على إبقاء العمليات ضمن نطاق يسمح باحتواء التصعيد. فالولايات المتحدة و”إسرائيل” تدركان أنّ الحرب المفتوحة ستكون مكلفة، كما تدرك إيران أنّ الردّ غير المحسوب قد يدفع المنطقة إلى مواجهة لا يمكن السيطرة على مسارها. لذلك، قد يكتفي كلّ طرف بتوجيه ضربة محسوبة تحمل رسالة ردع، من دون أن يكون هدفها إسقاط الخصم أو تغيير موازين القوى بصورة جذرية.
ثانياً: الحرب الإقليمية
أما إذا تجاوزت الضربات الأولى حدودها المرسومة، فقد تتدحرج الأزمة سريعاً إلى مستوى أكثر اتساعاً، لتتحوّل من مواجهة ثنائية إلى صراع إقليمي متعدّد الجبهات. ففي هذه الحالة، قد تبرز ساحات أخرى بوصفها عوامل ضغط إضافية؛ إذ يلوّح اليمن بورقة مضيق باب المندب، بينما يبقى لبنان أحد أكثر الساحات ارتباطاً بتطورات المواجهة. ومع اتساع رقعة الاشتباك، لن تظلّ العمليات العسكرية محصورة في جبهة واحدة، بل قد تمتدّ إلى أكثر من مسرح، بما يرفع منسوب المخاطر السياسية والعسكرية ويجعل احتواء الأزمة أكثر تعقيداً.
ثالثاً: حرب الاستنزاف
غير أنّ السيناريو الأكثر خطورة قد لا يكون الحرب الخاطفة، وإنما الحرب الطويلة. فحروب الاستنزاف لا تُقاس بسرعة التقدم العسكري، بل بقدرة كلّ طرف على الصمود وإطالة أمد المواجهة حتى تصبح كلفتها السياسية والاقتصادية أكبر من قدرة الخصم على احتمالها.
وفي هذا النوع من الحروب، لا تعود الجبهات العسكرية وحدها ساحة للمواجهة، بل تتحوّل الموانئ، والممرات البحرية، وأسواق النفط، وشبكات التجارة العالمية إلى أدوات ضغط لا تقلّ أهمية عن الصواريخ والطائرات. ومع اتساع نطاق الاستنزاف، تمتدّ آثار الحرب إلى الاقتصاد العالمي، وترتفع كلفة الطاقة، وتدخل الأسواق المالية مرحلة من الاضطراب قد تتجاوز آثارها حدود الشرق الأوسط.
أوراق القوة الإيرانية
يصعب فهم الحسابات الإيرانية في أيّ مواجهة محتمَلة إذا جرى النظر إليها من زاوية التفوق العسكري التقليدي وحده. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية، لم تبنِ طهران استراتيجيتها على منافسة الولايات المتحدة في عدد حاملات الطائرات أو حجم الإنفاق العسكري، بل على تطوير نموذج مختلف للردع، يقوم على جعل أيّ حرب ضدها حرباً مكلفة، وطويلة، ومفتوحة على احتمالات يصعب التحكم بها. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم أبرز أوراق القوة التي راكمتها إيران خلال العقود الماضية:
1 ـ العقيدة العسكرية الإيرانية: تأتي في مقدمة هذه الأدوات، إذ ترتكز على مبدأ الصمود وإدارة الحرب الطويلة، مع توزيع القدرات العسكرية على نطاق واسع، بما يقلّل من فاعلية أيّ ضربة تهدف إلى شلّ البنية الدفاعية للدولة في وقت قصير.
2 ـ القوة الصاروخية: تحوّلت من مجرد وسيلة دفاع إلى حجر الأساس في العقيدة الردعية الإيرانية. فطهران تدرك أنّ قدرتها على تهديد أهداف بعيدة هي التي تمنحها هامشاً أوسع في فرض معادلة الردع.
3 ـ الطائرات المُسيّرة: تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مظاهر التطور في القدرات العسكرية الإيرانية، بعدما أثبتت حضورها في مهام الاستطلاع والهجوم، مع ما تتميّز به من كلفة تشغيلية منخفضة مقارنة بوسائل القتال التقليدية.
4 ـ مضيق هرمز: أقوى أوراق إيران في الجغرافيا نفسها. فمضيق هرمز ليس مجرد ممرّ بحري ضيّق، بل شريان تتدفق عبره نسبة مؤثرة من تجارة الطاقة العالمية. ولذلك، فإنّ أيّ اضطراب في الملاحة داخله لا يبقى حدثاً إقليمياً، بل يتحوّل سريعاً إلى أزمة دولية، تمتد آثارها من أسواق النفط إلى البورصات العالمية.
5 ـ شبكة العلاقات والتحالفات الإقليمية: بنتها إيران على مدى سنوات، وهي توفر لها، عمقاً استراتيجياً وخيارات متعددة في إدارة الأزمات، مع بقاء تأثير هذه الشبكة مرتبطاً بطبيعة كل أزمة وظروفها.
يبقى المؤكد أنّ أيّ تصعيد واسع لن يقتصر أثره على أطراف المواجهة، بل سيمتدّ إلى الإقليم والاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل حسابات الردع، مهما بلغت دقتها، عرضة لاختبار دائم. فالتاريخ يشهد أنّ المنطقة لم تتعافَ يوماً من حروبٍ اندلعت بقرارات أميركية غير مفهومة… فهل تُكرّر واشنطن سيناريو الأخطاء القديمة؟ الأيام المقبلة قد تُجبر الجميع على خوض غمار الصراع الكبير، حتى أولئك الذين اعتقدوا بأنّ الحياد خيار آمن…
كاتب ومحلل في الشأن الإقليمي